عمر السهروردي
601
عوارف المعارف
فبالصدق نالوا ما نالوا ، وبقوة العزائم ، عزائم الرجال ، بلغوا ما بلغوا . أخبرنا أبو زرعة إجازة قال أنا أبو بكر بن خلف قال أنا أبو عبد الرحمن قال سمعت منصورا يقول سمعت أبا عمرو الأنماطي يقول سمعت الجنيد يقول : لو أقبل صادق على اللّه ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة لكان ما فاته من اللّه أكثر مما ناله . وهذه الجملة يحتاج المبتدئ أن يحكمها ، والمنتهى عالم بها عامل بحقائقها . فالمبتدئ صادق والمنتهى صديق . قال أبو سعيد القرشي : الصادق الذي ظاهره مستقيم ، وباطنه يميل أحيانا إلى حظ النفس ، وعلامته أن يجد الحلاوة في بعض الطاعة ولا يجدها في بعض ، وإذا اشتغل بالذكر نور الروح ، وإذا اشتغل بحظوظ النفس يحجب عن الأذكار . والصديق الذي استقام ظاهره وباطنه يعبد اللّه تعالى بتلوين الأحوال لا يحجبه عن اللّه وعن الأكذار أكل ولا نوم ولا شرب ولا طعام . والصديق يريد نفسه للّه ، وأقرب الأحوال إلى النبوة الصديقية . وقال أبو يزيد : آخر نهايات الصديقين أول درجات الأنبياء . واعلم أن أرباب النهايات استقامت بواطنهم وظواهر هم للّه ، وأرواحهم خلصت عن ظلمات النفوس ، ووطئت بساط القلوب ، ونفوسهم منقادة مطاوعة صالحة مع القلب ، مجيبة إلى كل ما تجيب إليه القلوب ، أرواحهم متعلقة بالمقام الأعلى ، انطفأت فيهم نيران الهوى ، وتخمر في بواطنهم صريح العلم ، وانكشفت لهم الآخرة كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في حق أبي بكر رضى اللّه عنه : ( ( من أراد أن ينظر إلى ميت يمشى على وجه الأرض فلينظر إلى أبي بكر ) ) إشارة منه عليه الصلاة والسلام إلى ما كوشف به من صريح العلم